محمد بن جرير الطبري

206

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أكبر عند الله ، صار المعنى : إلى أن إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام أعظم عند الله من الكفر بالله ، والصد عن سبيله ، وعن المسجد الحرام ، ومتأول ذلك كذلك داخل من الخطأ في مثل الذي دخل فيه القائل القول الأَول من تصييره بعض خلال الكفر أعظم عند الله من الكفر بعينه ، وذلك مما لا يخيل على أحد خطؤه وفساده . وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : القول الأَول في رفع الصد ، ويزعم أنه معطوف به على الكبير ، ويجعل قوله : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مرفوعا على الابتداء ، وقد بينا فساد ذلك وخطأ تأويله . ثم اختلف أهل التأويل في قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ هل هو منسوخ أم ثابت الحكم ؟ فقال بعضهم : القتال في الشهر الحرام هو منسوخ بقوله الله جل وعز : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وبقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء بن ميسرة : أحل القتال في الشهر الحرام في براءة قوله : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً يقول : فيهن وفي غيرهن . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ، ثم أحل بعد . وقال آخرون : بل ذلك حكم ثابت لا يحل القتال لأَحد القتال في الأَشهر الحرم بهذه الآية ، لأَن الله جعل القتال فيه كبيرا . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قلت لعطاء : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ قلت : ما لهم وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام ، ثم غزوهم بعد فيه ، فحلف لي عطاء بالله ما يحل للناس أن يغزوا القتال في الشهر الحرام ، ولا أن يقاتلوا فيه ، وما يستحب ، قال : ولا يدعون إلى الإِسلام قبل أن يقاتلوا ولا إلى الجزية تركوا ذلك . والصواب من القول في ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة ، من أن النهي عن قتال المشركين القتال في الأَشهر الحرم منسوخ بقول الله جل ثناؤه : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ، وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وإنما قلنا ذلك ناسخ لقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ لتظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزا هوازن بحنين ، وثقيفا بالطائف ، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس لحرب من بها من المشركين في بعض الشهر الحرم ، وذلك في شوال وبعض ذي القعدة ، وهو من الأَشهر الحرم . فكان معلوما بذلك أنه لو كان القتال فيهن حراما وفيه معصية ، كان أبعد الناس من فعله صلى الله عليه وسلم وأخرى : أن جميع أهل العلم بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتدافع أن بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في أول ذي القعدة ، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما دعا أصحابه إليها يومئذ لأَنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة ، فبايع صلى الله عليه وسلم على أن يناجز القوم الحرب ويحاربهم حتى رجع عثمان بالرسالة ، وجرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش الصلح ، فكف عن حربهم حينئذ وقتالهم ، وكان ذلك في ذي القعدة ، وهو من الأَشهر الحرم . فإذا كان ذلك كذلك فبين صحة ما قلنا في قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وأنه منسوخ . فإن ظن ظان أن النهي عن القتال في الأَشهر الحرم كان بعد استحلال النبي صلى الله عليه وسلم إياهن لما وصفنا من حروبه . فقد ظن جهلا ؛ وذلك أن هذه الآية ، أعني قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه ، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه ، فأنزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادي الآخرة من السنة الثانية من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهجرته إليها ، وكانت وقعة حنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها . وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا يعني تعالى ذكره : ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك . كما : حدثنا ابن حميد ، قال ، ثنا سلمة ، قال ، ثني ابن إسحاق ، قال : ثني الزهري ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ